الفرق بين التراث المادي والتراث المعنوي (اللامادي)

الفرق بين التراث المادي والتراث المعنوي (اللامادي)

الفرق بين التراث المادي والتراث المعنوي (اللامادي)

يُعتبر التراث بأنواعه المختلفة من الثروات الوطنية التي تمتلكها الشعوب، ويُمثّل الهوية الثقافية والتاريخية لها. يُقسّم التراث بشكل أساسي إلى نوعين رئيسيين: التراث المادي والتراث المعنوي (اللامادي). يختلف كل منهما عن الآخر في طبيعته وخصائصه وطرق الحفاظ عليه، مع أنهما يتكاملان في تشكيل الإرث الثقافي الشامل للمجتمعات. في هذا المقال، سنتناول الفروق الأساسية بين هذين النوعين من التراث، مع توضيح أهمية كل منهما ودوره في الحفاظ على هوية المجتمع وتاريخه.

1. مفهوم التراث المادي و خصائصه 

التراث المادي هو ذلك الجزء الملموس من تراث الأمم والشعوب، والذي يشمل جميع المباني والآثار والمواقع التاريخية والتحف والقطع الأثرية وغيرها من الأشياء المادية التي تُركت لنا من الأجيال السابقة. يتميز هذا النوع من التراث بكونه ماديًا ملموسًا يمكن رؤيته ولمسه وزيارته.

1. خصائص التراث المادي:

1. الملموسية والوجود الفيزيائي: يمكن مشاهدة التراث المادي بالعين المجردة ولمسه باليد، فهو موجود فيزيائيًا في المكان.

2. الاستمرارية الزمنية: يتميز بقدرته على البقاء والاستمرار عبر الزمن، حيث يمكن أن تستمر الآثار والمباني التاريخية لمئات أو آلاف السنين.

3. القابلية للترميم والصيانة: يمكن ترميم التراث المادي وصيانته للحفاظ عليه من التلف والتدهور.

4. المكانية المحددة: يرتبط التراث المادي بمكان محدد، سواء كان مبنى أو موقعًا أثريًا.

5. القيمة الاقتصادية: يمكن تقدير قيمته المادية والاقتصادية بشكل مباشر، مما يجعله هدفًا للسياحة الثقافية.

2. أمثلة على التراث المادي:

- الأهرامات المصرية وأبو الهول

- المساجد التاريخية كالمسجد الأموي والجامع الأزهر

- القلاع والحصون العسكرية القديمة

- المخطوطات والكتب القديمة

- الحلي والمصنوعات اليدوية التراثية

- المتاحف وما تحتويه من قطع أثرية

- المباني التاريخية والعمارة التقليدية

2. مفهوم التراث المعنوي (اللامادي) وخصائصه 

التراث المعنوي أو اللامادي هو مجموعة الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات التي تعتبرها المجتمعات والجماعات والأفراد جزءًا من تراثهم الثقافي. هذا النوع من التراث ينتقل من جيل إلى آخر، ويتم إبداعه باستمرار من قبل المجتمعات استجابة لبيئتهم وتفاعلهم مع الطبيعة وتاريخهم.

 1.خصائص التراث المعنوي:

1. عدم الملموسية: التراث المعنوي غير ملموس ماديًا، فهو يعيش في عقول وقلوب الناس وممارستهم اليومية.

2. الانتقال الشفهي والتعليم التقليدي: ينتقل عبر الأجيال بالتعلم والمشاهدة والممارسة، وليس بالضرورة عبر التعليم الرسمي.

3. التطور المستمر: التراث المعنوي حيوي ومتغير، حيث يتطور مع مرور الزمن ويتكيف مع التغيرات الاجتماعية والبيئية.

4. الارتباط بالمجتمع: يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية للمجتمع وتقاليده.

5. التعرض للاندثار: يواجه خطر الاندثار بشكل أكبر مع تغير أنماط الحياة والعولمة.

2. أمثلة على التراث المعنوي:

- اللغات والحكايات والأساطير الشعبية

- الموسيقى والرقصات التقليدية

- الحرف اليدوية والمهارات التقليدية

- العادات والتقاليد المجتمعية

- المأكولات التقليدية وطرق إعدادها

- المعارف المتعلقة بالطبيعة والكون

- الاحتفالات والمهرجانات الشعبية

- الطب الشعبي والتقليدي

3. الفروق الأساسية بين التراث المادي والمعنوي

 1. من حيث الطبيعة الفيزيائية:

التراث المادي: ملموس، له وجود فيزيائي، يمكن رؤيته ولمسه وقياسه.

التراث المعنوي: غير ملموس، يعيش في الممارسات والمهارات والمعارف والذاكرة الجماعية.

 2. من حيث طرق الحفاظ والتوثيق:

التراث المادي: يُحفظ عبر الترميم والصيانة الدورية، والتوثيق بالصور والخرائط.

التراث المعنوي: يُحفظ عبر التعليم والنقل الشفهي، والتوثيق بالتسجيلات الصوتية والمرئية والنصية.

 3. من حيث التأثر بالعوامل الخارجية:

التراث المادي: يتأثر بشكل رئيسي بالعوامل الطبيعية كالطقس والزلازل والفيضانات، وبالتدخل البشري كالهدم والإهمال.

التراث المعنوي: يتأثر بالتغيرات الاجتماعية والثقافية، والعولمة، والتحديث، والهجرة.

 4. من حيث الانتقال بين الأجيال:

التراث المادي: ينتقل كما هو عبر الزمن، مع إمكانية تدهوره فيزيائيًا.

التراث المعنوي: قابل للتطور والتغير مع انتقاله من جيل إلى آخر، ويتكيف مع كل عصر.

 5. من حيث الحماية القانونية:

التراث المادي: تاريخيًا، كان أسبق في الحصول على الحماية القانونية الدولية والوطنية.

التراث المعنوي: بدأ الاهتمام به على المستوى الدولي متأخرًا، مع اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي عام 2003.

 6. من حيث التقييم الاقتصادي:

التراث المادي: يمكن تقييمه اقتصاديًا وماديًا بشكل مباشر، وله قيمة سوقية.

التراث المعنوي: يصعب تقييمه اقتصاديًا بشكل مباشر، وقيمته تكمن في أهميته الثقافية والاجتماعية.

 7. من حيث المخاطر التي تهدده:

التراث المادي: يتعرض للتلف والتدمير بسبب الكوارث الطبيعية، والحروب، والإهمال، والتلوث.

التراث المعنوي: يتعرض للاندثار بسبب التطور التكنولوجي، والعولمة، وتغير أنماط الحياة، وقلة اهتمام الأجيال الجديدة.

4. التكامل بين التراث المادي والمعنوي

على الرغم من الفروق الواضحة بين التراث المادي والمعنوي، إلا أنهما في الواقع متكاملان ومترابطان بشكل وثيق. فالتراث المادي غالبًا ما يكون تجسيدًا للمعارف والمهارات اللامادية، كما أن الحفاظ على التراث المعنوي يتطلب في كثير من الأحيان الحفاظ على البيئة المادية المرتبطة به.

 أمثلة على التكامل:

1. المعمار التقليدي: المباني التراثية (تراث مادي) هي نتاج لمهارات البناء التقليدية ومعارف الحرفيين (تراث معنوي).

2. الصناعات التقليدية: المنتجات الحرفية (تراث مادي) تُصنع باستخدام مهارات ومعارف متوارثة (تراث معنوي).

3. المواقع المقدسة: غالبًا ما ترتبط المواقع والمباني الدينية (تراث مادي) بممارسات وطقوس روحية (تراث معنوي).

4. المهرجانات التقليدية: تُقام في أماكن محددة ذات أهمية ثقافية (تراث مادي) وتتضمن ممارسات وفنون تقليدية (تراث معنوي).

5. أهمية الحفاظ على التراث بنوعيه

1. أهمية الحفاظ على التراث المادي:

1. حماية الشواهد التاريخية التي تثبت حضارة الأمم وإنجازاتها.

2. تعزيز الشعور بالانتماء والهوية الوطنية والثقافية.

3. دعم السياحة الثقافية وتنمية الاقتصاد المحلي.

4. توفير مصادر للدراسات والأبحاث التاريخية والأثرية.

5. نقل المعرفة التاريخية للأجيال القادمة بشكل ملموس.

2. أهمية الحفاظ على التراث المعنوي:

1. الحفاظ على التنوع الثقافي في مواجهة العولمة والتنميط الثقافي.

2. تعزيز الهوية الثقافية والشعور بالانتماء للمجتمع.

3. نقل القيم والمعارف والمهارات للأجيال القادمة.

4. تعزيز الحوار بين الثقافات والاحترام المتبادل.

5. حماية المعارف التقليدية المتعلقة بالتعامل مع البيئة، والتي قد تكون مفيدة في حل مشكلات معاصرة.

6. جهود حماية التراث على المستوى الدولي

أدركت المنظمات الدولية أهمية حماية التراث بنوعيه، ولذلك تم إنشاء العديد من الاتفاقيات والمبادرات الدولية، ومن أبرزها:

1. لحماية التراث المادي:

- اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي (1972): التي تهدف إلى تحديد المواقع ذات القيمة العالمية الاستثنائية وحمايتها.

- قائمة التراث العالمي: التي تضم المواقع الثقافية والطبيعية ذات القيمة العالمية الاستثنائية.

2. لحماية التراث المعنوي:

- اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي (2003): التي تهدف إلى حماية وصون التراث الثقافي غير المادي.

- القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية: التي تضم عناصر التراث المعنوي من مختلف دول العالم.

- برنامج "الإنسان والمحيط الحيوي": الذي يهدف إلى حماية التنوع البيولوجي والثقافي.

 خاتمة

التراث المادي والتراث المعنوي (اللامادي) يمثلان وجهين لعملة واحدة، وهي الهوية الثقافية والتاريخية للشعوب. رغم اختلافهما في الطبيعة والخصائص، إلا أنهما متكاملان ومترابطان بشكل وثيق. يتطلب الحفاظ على تراثنا بأكمله فهم هذه الفروق والعلاقات، واتخاذ إجراءات مناسبة لحماية كل نوع وفقًا لطبيعته.

إن تحقيق التوازن في الحفاظ على التراث المادي والمعنوي معًا هو ما سيضمن استمرارية الهوية الثقافية للمجتمعات، ونقل ثراء تجاربها وإبداعاتها للأجيال القادمة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه التراث بنوعيه في عصر العولمة والتطور التكنولوجي السريع، فإن الجهود المتكاملة على المستويين المحلي والدولي كفيلة بصون هذا الإرث الإنساني الثمين بجميع أشكاله.

مراجع 

 1. التراث الثقافي: أنواعه، قيمته، وطرق الحفاظ عليه  

– تأليف: د. عبد العزيز الخضر  

يعرض الكتاب تصنيفًا دقيقًا للتراث إلى مادي ومعنوي، مع شرح دور كل منهما في تشكيل الهوية، ويقدّم أمثلة من العالم العربي.

 2. التراث غير المادي في الوطن العربي  

– إشراف: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)  

دراسة متخصصة تُعرّف بالتراث المعنوي، مثل الموسيقى الشعبية والقصص الشفوية، وتقارن بينه وبين التراث المادي من حيث آليات الحفظ والتوثيق.

 3. التراث المادي واللامادي: جدلية الذاكرة والهوية  

– تأليف: د. حسن ناظم  

يركّز على العلاقة بين نوعي التراث وأثرهما في تشكيل الذاكرة الثقافية للأمم، مع تحليل أكاديمي للفروقات النظرية والتطبيقية.

 4. التراث بين المادي واللامادي: مقاربات عربية  

– تأليف: مجموعة باحثين – منشورات معهد الشارقة للتراث  

يجمع مقالات أكاديمية حول الفرق بين التراثين، وأهمية كل نوع في السياسات الثقافية، والتحديات التي تواجه حفظهما.

مواقع الكترونية

1. منظمة اليونسكو – التراث الثقافي غير المادي

يعرض الموقع تعريفات دقيقة للتراث اللامادي (المعنوي) ويقارن بينه وبين التراث المادي، مع قوائم دولية للدول المشاركة. unesco.org/ar

2. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) – قسم التراث

يتضمن مقالات ومشروعات تعريفية حول التراث العربي بأنواعه، مع تركيز خاص على التمييز بين المادي واللامادي. alecso.org

3. الهيئة السعودية للتراث – وزارة الثقافة

يعرض تعريفات رسمية للتراث المادي واللامادي في المملكة، مع أمثلة على كل منهما من البيئة المحلية.  heritage.moc.gov.sa

4. معهد الشارقة للتراث

يضم مقالات ودراسات متخصصة عن التراث الثقافي العربي، ويُفرق بوضوح بين أشكاله المادية والمعنوية، ضمن برامج توثيقية وأكاديمية. sih.gov.ae


تعليقات